| المعجزات التى وهبها الله لحبيبه محمد صلوات ربى عليه وسلامه الحمد لله الذي أنعم على عباده بنعمة الخلق ، واختص الثقلين - الجن والإنس - بالتكليف، فأرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، إرشاداً وبياناً وإقامة للحجة، وكان آخر رسله محمداً . وقد أيّد الله رسله بما يناسب كل رسول من الآيات الباهرات التي هي خوارق للعادات، فكانت معجزة موسى عليه السلام العصى، ومعجزة صالح عليه السلام الناقة، ومعجزة عيسى عليه السلام إحياء الموتى بإذن الله وغيرها، وهكذا كانت معجزة كل نبي مما يتوافق مع حال قومه ، ولما كان العرب أهل فصاحةٍ وبلاغةٍ وشعرٍ وبيان، كانت معجزة محمدٍ قرآناً يتحدى به القوم فيما علموا وأتقنوا. أولا: فالقرآن الكريم معجزة رسول الله - - العظمى، دالة على صدقه، قد عجز البشر عن الإتيان بمثله، وهي معجزةٌ باقية مستمرة محفوظة، ببقاء رسالة الإسلام نفسها، لكونها خاتمة الرسالات، وآخر النبوات، وهي سبيل عز المسلمين ونصرهم. ومع أنّ حروف القرآن التي منها رُكِّبت كلماته وآياته هي نفس الحروف التي ركب منها كلام العرب ، إلا إنهم لم يستطيعوا أن يأتوا بمثله، وتحداهم الله بذلك، قال تعالى: { فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين } (الطور:34)، بل إنّ الله تحدّاهم أن يأتوا بعشرِ سورٍٍ مثله، قال تعالى :{ أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين } (هود:13)، واستمر التحدي في الإتيان بأقل من ذلك، بسورة من مثله، قال تعالى: { وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين } (البقرة:23). إنه القرآن العظيم المعجز في تركيبه وتنسيقه إلى جانب إعجازة في موضوعه وبيانه، مما حيَّر الفصحاء والبلغاء والشعراء، فجعلهم يذعنون له، ويستسلمون أمامه، ويعلنون عجزهم وقصورهم، يسمعه بعض القوم، فلا يملك إلا إعلان الحقيقة، فيقول مقالته المشهورة : " إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وما يقول هذا بشر". ويسمعه الوليد بن المغيرة المخزومي فيقول مقسماً بالله : "فو الله ما هو بشعر، ولا بسحر، ولا بهذي من الجنون، وإنّ قوله لمن كلام الله". ويسمعه عتبة بن ربيعة فيذهل، ويسمعه الجن فيؤمنون به ويصدقونه ، قال تعالى { قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا ، يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا } (الجـن:1-2). وقد جمع بعض أهل العلم إعجاز القرآن في أربعة أشياء، كما ذكر ذلك ابن حجر رحمه الله في "فتح الباري" : 1- حسن تأليفه ، والتئام كلمه مع الإيجاز والبلاغة . 2- صورة سياقه وأسلوبه المخالف لأساليب كلام أهل البلاغة من العرب نظماً ونثراً حتى حارت فيه عقولهم، ولم يهتدوا إلى الإتيان بشيء مثله مع توفر دواعيهم على تحصيل ذلك. 3- ما اشتمل عليه من الإخبار عما مضى من أحوال الأمم السالفة والشرائع الداثرة مما لا يُعلم كثير منه. 4- الإخبار بما هو كائنٌ في المستقبل ، سواءً مما وقع في العصر النبوي ، أو بعده. إنه كلام الله المنزل على عبده محمد ، القائل: ( ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحياً أوحى الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة ) رواه البخاري و مسلم . إنه كتاب الله تعالى، المتعبد بتلاوته، يقصم الله به كل جبار، من اعتصم به نجا، ومن تركه هلك، إنه قولٌ فصلٌ وليس بالهزل، لا تختلقه الألسن، ولا تفنى أعاجيبه، فيه نبأ السابقين، وفصل المتخاصمين، وخبر ما هو كائن إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين. ثانيا ـ من المعجزات والآيات التي أُعطي إياها النبي ، تأييداً لدعوته، وإكراماً له، وإعلاءً لقدره، إنطاق الجماد له، وتكلم الحيوان إليه، الأمر الذي ترك أثره في النفوس، وحرك العقول، ولفت انتباه أصحابها نحو دعوته التي جاء بها، وأثبت لهم أنها دعوة صادقة مؤيدة بالحجج والأدلة والبراهين، فلا يليق بالعقلاء إلا الاستجابة لها، واتباع هذا الدين العظيم الذي يجلب لهم النفع، ويدفع عنهم الضر، ويرقى بهم بين الأمم، ويضمن لهم سعادة الدارين. نعم لقد نطق الجماد والحيوان حقاً، فسبّح الطعام، وسلّم الحجر والشجر، وحنَّ الجذع، واشتكى الجمل، إنها آياتٌ وعبر، حصلت وثبتت في صحيح الخبر، فلا بد من تصديقها وقبولها، وإن خالفت عقول البشر. فمن الجمادات التي أنطقها الله عز وجل لنبيه 1 /الطعام الذي سبح الله وهو يُؤكل ، وقد سمع الصحابة تسبيحه ، فعن عبد الله بن مسعود قال: ( كنا مع رسول الله في سفر ، فقلّ الماء ، فقال اطلبوا فضلة من ماء ، فجاءوا بإناءٍ فيه ماء قليل، فأدخل يده في الإناء، ثم قال: حيّ على الطهور المبارك والبركة من الله، فلقد رأيتُ الماءَ ينبع من بين أصابعِ رسول الله ، ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل ) رواه البخاري ، وذكر الحافظ ابن حجر في الفتح تسبيح العنب والرطب والحصى . 2/ ومن ذلك تسليم الحجر والجبال والشجر عليه ، فقد جاء عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ( إني لأعرف حجراً بمكة كان يُسلِّم عليّ قبل أن أُبعث، إني لأعرفه الآن ) رواه مسلم . وعن علي بن أبي طالب قال ( كنت مع النبي بمكة ، فخرجنا في بعض نواحيها، فما استقبله جبل ولا شجر إلا وهو يقول: السلام عليك يا رسول الله ) رواه الترمذي و الدارمي ، وصححه الألباني . 3/ ومن الجمادات التي أنطقها الله عز وجل لنبيه الجذع الذي كان يخطب عليه رسول الله ، فعن ابن عمر ما قال : ( كان النبي يخطب إلى جذعٍ، فلما اتخذ المنبر تحول إليه، فحنَّ الجذع، فأتاه فمسح يده عليه ) رواه البخاري . وفي سنن الدارمي : (خار الجذع كخوار الثور حتى ارتج المسجد) ، وفي "مسند" أحمد : ( خار الجذع حتى تصدع وانشق ) . أما نطق الحيوان، فهي معجزة وآية أخرى أكرم الله بها رسوله ، فقد اشتكى الجمل إلى رسول الله من ظلم صاحبه له، فعن عبد الله بن جعفر قال ( أردفني رسول الله خلفه ذات يوم، فأسرَّ إلي حديثاً لا أحدث به أحداً من الناس، وكان أحب ما استتر به رسول الله لحاجته هدفاً- كل ما ارتفع من بناء وغيره-، أو حائش نخل-بستان فيه نخل صغار-، قال: فدخل حائطاً لرجل من الأنصار، فإذا جمل، فلما رأى النبي حنَّ وذرفت عيناه، فأتاه النبي ، فمسح ذفراه- أصل أذنيه وطرفاهما- فسكت، فقال: من رب هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟ فجاء فتى من الأنصار، فقال: لي يا رسول الله، فقال أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها، فإنه شكا إلي أنك تجيعه، وتدئبه- تَكُدُّهُ وتُتعبه-) رواه الإمام أحمد و أبوداود ، وصححه الألباني. فسبحان من أنطق لنبيه الجماد والحيوان ، وجعلها معجزة تدل على صدق نبوته ، وصحة دعوته . ثالثا: من المعجزات التي أكرم الله بها نبيه ، شفاء المرضى ببركته ودعائه، وقد تكرر هذا الحدث أكثر من مرة، ومع أكثر من صحابي، مما كان له الأثر الكبير في تثبيت نفوس الصحابة م ، وزيادة إيمانهم، ولجوئهم إلى الله سبحانه وتعالى في أحوالهم كافة. فمن ذلك مثلاً ما حصل مع الصحابي الجليل علي بن أبي طالب يوم خيبر، فعن سهل بن سعد أن رسول الله قال يوم خيبر: ( لأعطين هذه الراية رجلاً يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، قال: فبات الناس يدوكون - يخوضون في الحديث- ليلتهم أيهم يُعطاها؟ قال: فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله كلهم يرجون أن يعطاها، فقال: أين علي بن أبي طالب ؟ فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: فأرسلوا إليه، فأُتي به، فبصق رسول الله في عينيه، ودعا له فبرأ، حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية ) متفق عليه. فقد شفى الله علياً ببركة النبي ، واستلم الراية، وانطلق بها سليماً معافى. ومن ذلك ماحصل مع تلك المرأة التي كانت تصرع، ففي الحديث أن امرأة سوداء أتت النبي قالت: إني أصرع وإني أتكشف، فادع الله لي، قال: ( إن شئتِ صبرت ولك الجنة، وإن شئتِ دعوتُ الله أن يعافيك، قالت: أصبر، قالت: فإني أتكشف، فادع الله أن لا أتكشف، فدعا لها ) متفق عليه. والدعاء له أثره العظيم والفعّال، فكيف إذا كان من الرسول ، فلا شك أن أثره سيكون أقوى، ومما يُنقل عن الإمام ابن القيم رحمه الله في أثر الدعاء قوله: "وأن علاج الأرواح بالدعوات والتوجه إلى الله يفعل ما لا يناله علاج الأطباء، وأن تأثيره وفعله وتأثر الطبيعة عنه وانفعالها أعظم من تأثير الأدوية البدنية وانفعال الطبيعة عنها، وقد جربنا هذا مراراً نحن وغيرنا، وعقلاء الأطباء معترفون بأن لفعل القوى النفسية وانفعالاتها في شفاء الأمراض عجائب". ومن معجزاته شفاء المصاب ببركة نفثه عليه، مثلما حصل مع الصحابي سلمة بن الأكوع ، فعن يزيد بن أبي عبيد قال: ( رأيت أثر ضربة في ساق سلمة ، فقلت: يا أبا مسلم ما هذه الضربة؟ فقال: هذه ضربة أصابتني يوم خيبر، فقال الناس: أصيب سلمة، فأتيت النبي فنفث فيه ثلاث نفثات، فما اشتكيتها حتى الساعة ) رواه البخاري . ومن معجزاته في شفاء المرضى والمصابين، مسحه على جسد المصاب فيشفى بإذن الله عز وجل، كما حصل مع الصحابي عبد الله بن عتيك حينما انكسرت ساقه في طريق عودته من قتل أبي رافع اليهودي، فقال له النبي : ( ابسط رجلك، قال: فبسطتُ رجلي، فمسحها، فكأنها لم أشتكها قط ) رواه البخاري . تلك المواقف وغيرها تدل على ما أكرم الله عزوجل به رسوله من الكرامات العظيمة، والمنح الربانية الكثيرة، تأييداً لدعوته، وبرهاناً على صدقها، والحمد لله رب العالمين. رابعا: من المعجزات التي أكرم الله بها نبيه تكثير الطعام القليل، وزيادة البركة فيه، حتى إن اليسير منه الذي لا يكاد يكفي الشخص أو الشخصين، يسد حاجة الجمع الغفير ، والعدد الكبير من القوم، وهذه المعجزة لرسول الله تكررت في أماكن مختلفة، وفي مناسبات متعددة. منها أنه أطعم أهل الخندق ؛ وهم قرابة ألف نفر من صاع شعير، فشبعوا وانصرفوا ؛ والطعام بقي كما كان، فقد جاء في الحديث المتفق عليه أن جابر بن عبد الله ما : رأى جوعاً شديداً بالنبي ، فانطلق إلى بيته، وأخرج جراباً فيه صاع من شعير، وذبح شاة، وجهز هو وزوجته طعاماً، ثم دعا رسول الله إليه، فجاء النبي وأهل الخندق معه، وأخبر جابراً بألا ينزل القدر، وألا يخبز الخبز، حتى يأتيه ويبارك فيه، ثم أكلوا جميعاً وشبعوا، والطعام كما هو. ومنها : أن أصحاب رسول الله لما أصابهم الجوع في غزوة تبوك استأذنوه في نحر ظهورهم، فطلب منهم أن يأتوه بفضل أزوادهم، فدعا فيه بالبركة، ثم قال: ( خذوا في أوعيتكم، فأخذوا في أوعيتهم، حتى ما تركوا في العسكر وعاءً إلا ملؤوه، فأكلوا حتى شبعوا وفضلت فضلة ) متفق عليه، وهذا لفظ مسلم . ومنها أن جابر بن عبد الله ما أخبر النبي أن أباه قتل يوم أحد شهيداً وعليه دين، فاشتد الغرماء في حقوقهم، فأتى النبي ، يريد عونه، فبادر رسول الله ، وجاء إلى بستانه، ودعا في ثمره بالبركة، فقضى جابر دين أبيه، وبقي زيادة، والحديث في البخاري . ومنها ما حصل مع أبي طلحة عندما دعا رسول الله لطعام في بيته، فجاء ومعه أصحابه، فدعا في الطعام، ثم قال: (ائذن لعشرة، فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: ائذن لعشرة، فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: ائذن لعشرة، فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: ائذن لعشرة، فأكل القوم كلهم، وشبعوا، والقوم سبعون أو ثمانون رجلا ) متفق عليه، واللفظ للبخاري . ومن أعجب ما روي في ذلك، ما ثبت في سنن الترمذي عن أبي هريرة قال : ( أتيت النبي بتمرات، فقلت يا رسول الله: ادع الله فيهن بالبركة، فضمهن، ثم دعا لي فيهن بالبركة، وقال: خذهن وأجعلهن في مزودك هذا، أو في هذا المزود، كلما أردت أن تأخذ منه شيئاً، فأدخل فيه يدك، فخذه ولا تنثره نثرا، قال أبو هريرة : فقد حملت من ذلك التمر كذا وكذا من وسق في سبيل الله، فكنا نأكل منه ونطعم، وكان لا يفارق حقوي حتى كان يوم قتل عثمان، فإنه انقطع ) رواه الترمذي ، وحسنه الألباني. وبعد أخي القارئ فتكثير الطعام معجزة أيد الله بها نبيه ، شاهدها الناس، وعايشها أصحاب النبي ، فكان لها دور كبير في دخول الناس في دين الله، وأثر عظيم في نفوس المسلمين وزيادة إيمانهم، وتعلقهم بربهم، وحل مشكلاتهم وأزماتهم، فسبحان من لا يعجزه شئ في الأرض ولا في السماء، والحمد لله رب العالمين. خامسا: من المعجزات التي أكرم الله بها نبيه إخباره عن الكثير من المغيبات ، سواء ما حدث منها قبل بعثته أم بعدها، أو ما تعلق بأخبار حياة البرزخ ، وأحداث يوم القيامة والجنة والنار، أو الإخبار عن العوالم الأخرى، كالجن وغيرها. فمما أخبر به عن الأمم السابقة قصة جريج العابد، التي ثبتت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ( كان رجل في بني إسرائيل يقال له جريج يصلي، فجاءته أمه، فدعته، فأبى أن يجيبها، فقال: أجيبها أو أصلي؟ ثم أتته، فقالت: اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات، وكان جريج في صومعته، فقالت امرأة: لأفتنن جريجاً، فتعرضت له، فكلمته، فأبى، فأتت راعياً، فأمكنته من نفسها، فولدت غلاماً، فقالت: هو من جريج، فأتوه، وكسروا صومعته، فأنزلوه، وسبوه، فتوضأ، وصلى، ثم أتى الغلام، فقال: من أبوك يا غلام؟ قال: الراعي، قالوا: نبني صومعتك من ذهب، قال: لا إلا من طين ) فهذه من الأخبار الماضية التي وقعت في الأمم السابقة وأخبر عنها . ومن المغيبات ما بشر به بعض أصحابه بذكر منازلهم في الجنة، كما فعل مع الخلفاء الراشدين ، وبقية العشرة المبشرين بالجنة، وغيرهم من الصحابة م جميعاً مما لا يسع المجال لذكره ، وكذلك ما بشر به بعض زوجاته ، فقال: ( بشروا خديجة ببيت من الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب ) متفق عليه. وبشر مؤذنه بلال بقوله: ( فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة ) متفق عليه. ومن المغيبات إخباره عن أناسٍ أنهم من أهل النار، من ذلك ما ثبت في الصحاح من حديث سهل بن سعد الساعدي ( أن رسول الله التقى هو والمشركون، فاقتتلوا، فلما مال رسول الله إلى عسكره، ومال الآخرون إلى عسكرهم، وفي أصحاب رسول الله رجل لا يدع لهم شاذة، ولا فاذة، إلا اتبعها يضربها بسيفه، فقال: ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان، فقال رسول الله : أما إنه من أهل النار، فقال رجل من القوم: أنا صاحبه، قال: فخرج معه، كلما وقف وقف معه، وإذا أسرع أسرع معه، فجرح الرجل جرحاً شديداً، فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه بالأرض وذبابه- أي طرفه- بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه، فقتل نفسه، فخرج الرجل إلى رسول الله فقال: أشهد أنك رسول الله، قال: وما ذاك؟ قال: الرجل الذي ذكرت آنفاً، أنه من أهل النار- وذكرنا قصته - ، فقال رسول الله عند ذلك: إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة ) متفق عليه ، وهذا لفظ البخاري . ومن المغيبات - غير ما تقدم- إخباره عن الفتن وعلامات الساعة وهذا كثير؛ من ذلك ما رواه أسامة قال: ( أشرف النبي على أطم- أي حصن - من آطام المدينة، فقال: هل ترون ما أرى؟ إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر ) متفق عليه. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ( ألا أحدثكم حديثاً عن الدجال، ما حدث به نبي قومه، إنه أعور، وإنه يجيء معه بمثال الجنة والنار، فالتي يقول إنها الجنة هي النار، وإني أنذركم كما أنذر به نوح قومه ) متفق عليه. وعن عوف بن مالك قال: ( أتيت النبي في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم - خيمة من جلد-، فقال: اعدد ستاً بين يدي الساعة، موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص- أي مثل داء يميت الدواب فجأة- الغنم، ثم استفاضة المال، حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطا، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة، تكون بينكم وبين بني الأصفر، فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانين غاية -راية-، تحت كل غاية اثنا عشر ألفا ) رواه البخاري . وعن عبد الله بن عمر ما أن رسول الله قال: ( تقاتلون اليهود، حتى يختبئ أحدهم وراء الحجر، فيقول يا عبد الله هذا يهودي ورائي فاقتله ) متفق عليه. ومن المغيبات إخباره عن العوالم الأخرى؛ كالجن والملائكة وغيرها، فعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله : ( ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، قالوا: وإياك يا رسول الله قال: وإياي، إلا أن الله أعانني عليه، فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير ) رواه مسلم . وعن عائشة ا قالت: قال رسول الله : ( خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم ) رواه مسلم . تلك المغيبات وغيرها كثير من معجزاته ، التي خُصَّ بها، كان لها من الفوائد العظيمة، والآثار الجليلة، ما جعل رسالة الإسلام مميزة على غيرها من الشرائع ، محفوظة بحفظ الله لها ومؤيدة بتأييده إياها، لا يعرفها أحد معرفة صحيحة إلا سلّم القياد لها وأذعن لحكمها، ولا ينصفها شخص إلا دخل في ركابها وسار على هديها، إنها الرسالة الخاتمة، الشاملة للعالمين . ورغم انف الملاعين الحاقدين ورغم انف الكافرين اقول قولى هذا واستغفر الله لى ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته |